محمود فجال
191
الحديث النبوي في النحو العربي
وقد اجتمع الوجهان في قول « عمر » : ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس تغيب » . وفي قول النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما رويته بالسند المتصل : « كاد الحسد يغلب القدر ، وكاد الفقر أن يكون كفرا » « 1 » ومن الشواهد الشعرية في هذه المسألة قول الشاعر : أبيتم قبول السّلم منّا فكدتمو * لدى الحرب أن تغنوا السّيوف عن السّلّ وهذا الاستعمال ، مع كونه في شعر ، ليس بضرورة ، لتمكّن مستعمله من أن يقول « 2 » : . . . لدى الحرب تغنون السيوف . . . وأنشد « سيبويه » ( لعامر بن جوين الطائي ) : فلم أر مثلها خباسة واحد * ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله « 3 » وقال : أراد : بعد ما كدت أن أفعله ، فحذف « أن » وأبقى عملها . وفي هذا إشعار باطراد اقتران خبر « كاد » ب « أن » ، لأن العامل لا يحذف ويبقى عمله إلا إذا اطرد ثبوته .
--> ( 1 ) رواه « أبو نعيم » في « الحلية » عن « أنس » بلفظ : « كاد الفقر أن يكون كفرا ، وكاد الحسد أن يكون سبق القدر » ، ورواه « البيهقي » في « الشعب » عن « أنس » ، ورواه « الطبراني » بوجه آخر بلفظ : « كاد الحسد أن يسبق القدر ، وكادت الحاجة أن تكون كفرا » ، وقال « العراقي » : وفيه ضعف ، وقال « السخاوي » : طرقه كلها ضعيفة . قال « الزركشي » : لكن يشهد له ما خرجه « النسائي » و « ابن حبان » في « صحيحه » عن « أبي سعيد » مرفوعا : « اللهم إني أعوذ بك من الفقر والكفر » فقال رجل : ويعتدلان ؟ قال : نعم . انظر « فيض القدير » 4 : 542 ، و « فيض نشر الانشراح » ( مخطوط ) ورقة : 51 ، 52 ، و « المقاصد الحسنة » : 311 . ( 2 ) قال « الألوسي » في « الضرائر » : 6 : ذهب الجمهور : إلى أن الضرورة ما وقع في الشعر مما لا يقع في النثر ، سواء كان للشاعر عنه مندوحة أم لا . ومنهم من قال : إنها ما ليس للشاعر عنه مندوحة ، وهو المأخوذ من كلام « سيبويه » وغيره ، على ما هو مبسوط في نظم الفصيح لابن الطيب الفاسي . وبه قال « ابن مالك » ، فإن الضرورة مشتقة من الضرر ، وهو النازل مما لا مدفع له . ( 3 ) الخباسة : الغنيمة - نهنهت : كففت . انظر « الكتاب » 1 : 307 .